اسماعيل بن محمد القونوي
51
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الإفادة إلى الجملة الأولى فلا يجب فيها ما اعتبر في الجملة الأولى ولو سلم ففي قوله تعالى : وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ اعتبار أن الأول إفادة أن لهم عذاب عظيم على الدوام فبهذا الاعتبار يكون نتيجة لعدم نفع الإنذار والختم المذكور والثاني أن ذلك العذاب الدائم إنما هو بقضاء اللّه تعالى وحكمه فبهذا الاعتبار يكون علة للحكم السابق . قوله : ( والختم الكتم ) تعريف لفظي للختم لأنه أشهر من الختم ومرادف له وهو الظاهر من عبارة الكشاف الختم والكتم أخوان لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه كتما له وتغطية لئلا يتوصل إليه ولا يطلع عليه انتهى . وأكثر شراحه ذهبوا إلى أن معناه أن بينهما اشتقاقا أكبر لاشتراكهما في أكثر الحروف وهو العين واللام مع تناسبهما في أصل المعنى لأن في الختم على الشيء وهو ضرب الخاتم عليه كتما له وأنت خبير بأنه لا ضرورة دعت إلى حمل كلامه على ذلك وأما قوله في سورة الفاتحة الحمد والمدح أخوان فإنما أوّل بالتلاقي في الاشتقاق الأكبر لضرورة دعت إليه وهي العموم والخصوص بينهما فلا ترادف وبعضهم حمل كلامه أيضا على الترادف كما فصلناه هناك إذ هذه العبارة ظاهرة في الترادف وبعضهم أيد كلام الشراح فقال إن حقيقة الختم الوسم بطابع ونحوه والأثر الحاصل من ذلك والكتم الستر والإخفاء وهما متغايران فلا وجه لتفسيره به لكنه لما لزمه ذلك جعله كأنه عينه مبالغة وهذا المذكور لا ينافي ما ذكرناه لأنه يجوز أن يكون الكتم من المعاني اللغوية له حتى نقل بعض المحشيين عن القاموس أنه من المعاني اللغوية له . قوله : والختم الكتم قال الراغب الختم والطبع الأثر الحاصل عن النقش ويتجوز به يقال ختمت كذا في الاستيثاق من الشيء والمنع منه نظرا إلى أنه آخر فعل في إحراز الشيء ومنه قيل ختمت القرآن وقد قيل للإنسان ثلاثة أنواع من الذنوب يتقابلها في الدنيا ثلاث عقوبات الأولى الغفلة عن العبادات وذلك يورث جسارة على ارتكاب الذنوب وهي المشار إليها بقوله إن المؤمن إذا أذنب أورث في قلبه نكتة سوداء وإن تاب واستغفر صقل وإن زاد زادت حتى تعلق قلبه والثانية الجسارة على ارتكاب المحارم إما الشهوة تدعوه إليه أو شرارة تحسنه في عينه فتورثه وقاحة وهي المعبر عنها بالرين في قوله تعالى : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [ المطففين : 14 ] والثالثة الضلال وهو أن يسبق إلى اعتقاده مذهب باطل وأعظمه الكفر فلا يكون تلفت منه بوجه إلى الحق وذلك يورثه هيئة تمرنه على استحبابه المعاصي واستقباحه الطاعات وهو المعبر عنه بالختم والطبع في قوله : وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ [ الجاثية : 23 ] أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [ النحل : 108 ] وبالإقفال في قوله : أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [ محمد : 24 ] قال صاحب الكشاف الختم والكتم أخوان أي متفقان في العين واللام وإن افترقا في المعنى من وجه وقال القطب أي أخوان في الاشتقاق الأكبر لأن في الختم وهو ضرب الخاتم على الشيء معنى الكتم فإن المختوم مكتوم تم كلامه فلا بد بينهما من تناسب المعنى المعتبر في مطلق الاشتقاق ولذا قالوا في بيان إنهما أخوان أي متشاركان في العين واللام ومتناسبان في المعنى على ما بينه بقوله لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه كتتما له وتغطية لئلا يتوصل إليه ولا يطلع عليه .